القائمة الرئيسية

الصفحات

أثر الإيمان في تقدم الأفراد والأمم للشيخ أحمد أبو عيد












.
الحمد لله رب العالمين، يكلف بالقليل، ويجزي بالجزيل، ويعفو عن الذي بالعجز أصيب، من أطاعه تولاه، ومن غفل عنه لا ينساه، وله من الرزق نصيب، يرزق بلا أسباب، ويدخل الجنة بغير حساب، فلا فضح ولا تنقيب، نحمده تبارك وتعالى ونسأله التنظيم لأحوالنا والترتيب، ونعوذ بنور وجهه الكريم من الفساد والإفساد والتخريب، ونرجوه الأمن والأمان والرضا والرضوان في يوم يسقط الجنين فيه والصغير فيه يشيب.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المهيمن والرقيب، من تبع شرعه والاه، ومن تقرب إليه فاز بالتقريب، من أوى إليه آواه، ومن استحيا منه فليس عليه تثريب، ومن توكل عليه كفاه، ومن التجأ إليه فالفرج قريب، من اعتصم به فهو مولاه، ومن ارتجاه مخلصًا لا يخيب، من ذكره خاشعًا اجتباه، ومن تاب إليه فهو منيب، من شكر عطاءه نماه، ومن تواضع له نجا من التعذيب.
 وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المقرب والحبيب، خلقه نعمة، ومبعثه رحمة، وشمس سنته لا تغيب، من نال شفاعته اجتاز، ومن شرب من حوضه فاز، فلا عتاب ولا تأنيب، هو تاج أولي العزائم، وقدوة لكل صائم وقائم، وبإتباعه تحلو الحياة وتطيب.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه عدد ما وسعه علم الحساب من تربيع وتكعيب، وكلما أثنى عليه شاعر أو أديب، وطالما عرف حقه عالم أو نجيب، وعلى الصحب والآل وكل من انتسب إليه من بعيد أو قريب.
العناصـــر
أولاً: صفات المؤمنين                                 
 ثانيًا: أثر الإيمان في حياة الفرد
ثالثًا: أثر الإيمان في حياة المجتمع                   
 رابعًا: أثار نقص الإيمان
الموضـــــــــــــوع
الإيمان لغةً: هو التصديق والاطمئنان
اصطلاحا: فهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. 
فهذه الأمور الستة هي التي عليها مدار النفس وتفكيرها، في حاضرها ومستقبل أمرها، في شئون الحياة الدنيا، وما يصلح الأموال فيها، وفي المستقبل المنتظر حدوثه في هذه الحياة الدنيا، أو ما يحصل بعد الموت وعند البعث والنشور.
وقيل بأنه هو "الإقرار بالقلب، والنطق باللسان، والعمل بالجوارح".
فهو يتضمن الأمور الثلاثةإقرار بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح.
أولاً: صفات المؤمنين
الخشوع في الصلاة:  فعن عثمان قال: قال رسول الله r: " ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوؤها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله " ([1])
  الإعراض عن اللغو قال تعالى " وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ " المؤمنون
واللغو هو كل كلام ساقط حقه أن يلغى، كالكذب والشتم والهزل يعني أن لهم من الجد ما شغلهم عن الهزل، ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس، اللذين هما قاعدتا بناء التكليف. فالإعراض عن اللغو أيعن الباطل، وهو يشتمل عن الشرك، كما قاله بعضهم والمعاصي، كما قاله آخرون ـ وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: " وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا " (الفرقان)
 تطهيرهم لأنفسهم بأداء الزكاة:  قال تعالى: " وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ " (المؤمنون)،
عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْعَرِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r « الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ. وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالصَّلاَةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ». ([2])
قوله: والصدقة برهان " معناه: الصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقده فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه، فالمؤمنون في حياتهم الدنيا يصونون بالزكاة المجتمع من الخلل الذي ينشئه الفقر في جانب والترف في جانب، فهي تأمين اجتماعي للأفراد جميعاً وهي ضمان اجتماعي للعاجزين، وهي وقاية للجماعة كلها من التفكك والانحلال.
حفظ الفروج:  قال تعالى: " وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ والذين هم لفروجهم حافظون " (المؤمنون)، فالمؤمنون قوم يحبون العفة، ويحافظون على طهارتهم بمعناها الشامل وهذه طهارة الروح، ووقاية النفس والأسرة والمجتمع بحفظ الفروج من دنس المباشرة في غير حلال، وحفظ القلوب من التطلع في غير حلال، وحفظ المجتمع من انطلاق الشهوات فيه بغير حساب، ومن فساد البيوت فيها والأنساب.
رعاية الأمانة والعهد: قال تعالى: " وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ " (المؤمنون، آية: 8)، أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، يل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك، لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم رسول اللهr  (آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» ([3]) ، قال تعالى: " إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا " (النساء)
المحافظة على الصلوات: قال تعالى: " وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴿ (المؤمنون)
أي الذين على أوقات صلاتهم يحافظون، فلا يضيعونها، ولا يشتغلون عنها حتى تفوتهم، ولكنهم يراعونها حتى يؤدونها فيها.
وعن عبد الله بن مسعود t قال سألت رسول الله r أي العمل أحب إلى الله قال "الصلاة على وقتها قلت ثم أي قال بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله " ([4])
الخوف والخشية من الله وعدم الإشراك به والتوكل عليه:  قال تعالى" إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ  لَا يُشْرِكُونَ ﴿٥٩﴾ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿٦٠﴾ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ "المؤمنون ، وقال تعالى "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) سورة الأنفال
الأخوة في الدين قال تعالى "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ "الحجرات
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:  قال تعالى "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
 يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " التوبة
الغـــيــرة: فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: " إن الله تعالى يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله
 ألا يأتي المؤمن ما حرم الله "([5])
مهما كانت الظروف لا يتبدل ولا يتغير: عن صهيب قال: قال رسول الله rعجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر وكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " ([6]) ، وقال تعالى﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تبديلا) سورة الأحزاب الآية 23
يقول الحافظ أبو نعيم : لما توفي ذر بن عمر الهمداني ، جاء أبوه فوجده قد مات، فوجد أهل بيته يبكون، فقال: ما بكم؟ قالوا: مات ذر ، فقال: الحمد لله، والله ما ظُلمنا ولا قُهرنا ولا ذُهب لنا بحق، وما أُريد غيرنا بما حصل لـذر ، ومالنا على الله من مأثم.
ثم غسَّله وكفَّنه، وذهب ليصلي مع المصلين، ثم ذهب به إلي المقبرة، ولما وضعه في القبر قال: رحمك الله يا بني، قد كنت بي باراً، وكنت لك راحماً، ومالي إليك من وحشة ولا إلى أحد بعد الله فاقة، والله يا ذر ! ما ذهبت لنا بعز، وما أبقيت علينا من ذل، ولقد شغلني -والله- الحزن لك عن الحزن عليك، يا ذر ! لولا هول يوم المحشر لتمنيت أني صِرْت إلى ما إليه صرت، يا ليت شعري! ماذا قيل لك وبماذا أجبت؟
ثم يرفع يديه باكياً: اللهم إنك قد وعدتني الثواب إن صبرت، اللهم ما وهبته لي من أجر فاجعله لـذر صلة مني، وتجاوز عنه، فأنت أرحم به مني، اللهم إني قد وهبت لـذر إساءته فهب له إساءته فأنت أجود مني وأكرم، ثم انصرف ودموعه تقطر على لحيته، وليس الذي يجري من العين ماؤها ولكنها روح تسيل فتقطر، انصرف وهو يقول: يا ذر ! قد انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك، وربنا قد استودعناك، والله يرحمنا وإياك.
محبته للمؤمنين يؤلمه ما يؤلمهم، ويفرحه ما يفرحهم:  فعن أبي موسى عن النبي r قال: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " ثم شبك بين أصابعه "([7])
يتميز بحسن الخلقفعن أبي الدرداء t أن النبي r  قال "ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله يبغض الفاحش البذيء " ([8])
قراءة القرآن: عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، لاَ رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ» ([9])
والأُتْرُجَّة: ثمرة طيِّبة المذاق، طيِّبة الريح، ويبدو أنها غالية الثمن.
ولكن يبقى سؤال: لماذا شبَّه النبي - r - المؤمن قارئ القرآن بالأُتْرُجَّة؟!
قال الحافظ ابن حجر في شَرْحه على صحيح البخاري: "قيلَ: الحكمة في تخصيص الأُتْرُجَّة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمعُ طيب الطعم والريح كالتفاحة؛ لأنه يُتداوَى بقِشْرها وهو مُفْرِح بالخاصِّيَّة، ويُستخرَج من حَبِّها دُهنٌ له منافع، وقيل: إنَّ الجنَّ لا تقْرَب البيت الذي فيه الأُتْرُج؛ فناسَبَ أن يُمثِّل به القرآن الذي لا تقرَبه الشياطين، وغلاف حَبِّه أبيض، فيناسِب قلب المؤمن، وفيها أيضًا من المزايا كِبر جِرْمها، وحُسن مَنظرها، وتفريح لونها، ولِين مَلْمَسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيبُ نَكْهة، ودباغ مَعِدة، وجودة هَضْمٍ، ولها منافعُ أخرى مذكورة في المفردات" ([10]) .
لا يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر:  عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله r" المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر " ([11])
لا يقع في نفس الخطأ مرتين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " ([12])
عدة صفات للمؤمنين المتقين ذكرها الله:  قال تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ "ال عمران "
إقامة الشهادة والقيام بها:  قال -تعالى: "وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُون" المعارج.
ومعنى إقامة الشهادة: القيام فيها بالحق، والمحافظة عليها، وأداؤها بدون زيادة ولا نقصان، وعدم كتمانها وتغييرها، وأداؤها بالحق عند الحاكم على من كانت عليه من قريب أو بعيد، عدو أو صديق، وقد أمر الله -تعالى- في سورة الطلاق بإقامة الشهادة لله، فقال -تعالى-: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ أي: أدوها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقا، خالية من التحريف والتبديل والكتمان.
كل صفة أمر الله بها وتحلى بها رسوله r فينبغي على المؤمن التحلي والالتزام بها
ثانيًا: أثر الإيمان في حياة الفرد
طاعة الله وتجنب معصيته: إن ما قاله عليه r في بيان الإيمان لما سئل عنه : {أَنْ ُتؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وتؤْمِنَ بِالْقدَرِ َ خيْرِهِ وَ َ شرِّهِ}([13]).
يجعل المؤمن يشعر بأن الله يراقبه في أفعاله، والإيمان بالملائكة يجعل المؤمن يستحي من معصية الله لعلمه أن الملائكة معه تحصي عليه أعماله، والإيمان بالكتب يجعل المؤمن يعتز بكلام الله ويتقرب إليه بتلاوته والعمل به، والإيمان بالرسل يجعل المؤمن يأنس بأخبارهم وسيرهم لاسيما سيرة المصطفى r فيتخذهم أسوة وقدوة، والإيمان باليوم الآخر يُنمّي في نفس المؤمن حب الخير ليلقى ثوابه في الجّنة، والإيمان بالقدر يجعل نفس المؤمن ترضى وتصبر.
حسن الخلق: فالمؤمن لا يسب ولا يشتم أحدا، ويحترم الناس في جميع أحواله، وقد سئل النبي صلى الله عليه  وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال:" تقوى الله وحسن الخلق."
إن الايمان يؤثر على سلوك الناس بشكل ايجابي ، فجعله يتصف بصفات حميدة مثل: الحياء ، العفة ، حسن الخلق كما انه يبعد عنه الصفات الذميمة مثل: الحسد ، اقتراف الاثم و المعصية ، السرقة ، الكذب ، النظر الى المحرمات ، التجسس على الناس، الغيبة ،النميمة ، السب و الشتم ، .. وغيرها     
السعادة : إن فقدان السعادة من قلب المرء، يعني حلولَ القلق والاضطراب النفسي في شخصه، فيجتمع عليه : الهم والحزن والأرق والسّهر، التي تهدّ البدن وتضعفه. فالإنسان بغير إيمان مخلوق ضعيف، إذا أصابه شر جزع، قال تعالى: {  إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿19﴾ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿20﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿21﴾ إلَّا الْمُصَلِّينَ ﴿22﴾  ]. سورة المعارج
والسعادة إذن ليست في وفرة المال،  بل هي شيء معنوي لا يرى بالعين، ولا تحتويه الخزائن، ولا يشترى بالدينار. هي شيء يشعر به المؤمن بين جوانحه؛ صفاء نفس، وطمأنينة قلب، وانشراح صدر، وراحة ضمير كما قال تعالى { الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ
 الْقُلُوبُ (28)الرعد
حب الله : المؤمن بالله ربا أدرك سرّ الوجود، فأحبّ الله، لأنه رأى في الكون أثر الإبداع والإتقان، فأحبّه حبًا يفوق حبّ الإنسان لأبويه وأولاده، بل وحتى لنفسه، وأحب كل ما يجيء من قِبَله وكل ما يحبُّه سبحانه، أحب القرآن الذي أنزله ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وأحب  النبي r الذي أرسله رحمة للعالمين، وأحبّ كل إنسان من أهل الخير والصلاح الذين يحبّهم ويحبّونه، وجعل دعاءه: "اللهمّ ارزقني حبّك وحبّ من يحبّك واجعل حبّك أحبّ إليَّ من الماء البارد".
الأمن النفسي : الإيمان هو التصديق المؤدي إلى الطمأنينة، ولأن العبدَ إذا آمن صار في أمان الله، قال تعالى أيضا: {  هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّـهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٤﴾ }  سورة الفتح
وهذا الأمن الذي يوفره الإيمان للإنسان، فقد ضرب لنا القرآن الكريم نموذجاً حياً لأم مؤمنة صار إيمانها مصدر أمنها رغم أنها في حال خوف وقلق، ولكنها لم تخف؛ لأن الله ثبتها قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} [القصص:7] إذا خافت؛ ألقته في اليم مع أن إلقاءه في اليم بحد ذاته مصدر خوف عظيم
امرأة تلقي ولدها في البحر!: {وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ} [القصص:7-8] هذا المؤمن النبي ليكون لهم في المستقبل :{عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} واستجابة الأم لصدق موعود الله الذي وعدها، والله لا يخلف الميعاد: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص:13].
إن الناس -أيها الإخوة- يخافون من أشياء كثيرة وأمور شتى، ولكن المؤمن سدت أبواب الخوف عنده فلم يعد يخاف إلا الله وحده؛ يخافه أن يكون فرط في حقه، أو اعتدى على خلقه، أما الناس فإنه لا يخافهم؛ لأنهم لا يملكون له ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً قال تعالى:{ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:175].
ولما دعا أبو الأنبياء إلى توحيد الله وقام بتحطيم الأصنام وخوفه قومه من آلهتهم قال لهم متعجباً: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام:81] وقرر الله الحقيقة بنفسه قائلاً :{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:82]
الثبات في الشدائد : بيّن الله سبحانه وتعالى أن الإيمان هو الذي يجعل الإنسان ثابتًا في وجه المشكلات لأنّ المؤمن لمّا تَحلّ به نكبات أو مشكلات يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله "، ويردّد: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، "حسبنا الله ونعم الوكيل"، فإذا قلبه عامرٌ بالطمأنينة والسّكينة. لذلك فالمؤمنون هم أصبر الناس على البلاء، وأثبتهم في الشدائد، لأنهم عرفوا من ُلطف ربِّهم أن هذه الشدائد دروس قيّمة لهم، وتجارب نافعة لدينهم ودنياهم. والذين تخلو قلوبهم من الإيمان هم أشد الناس جزعًا، وأسرعهم انهيارًا أمام شدائد الحياة، وقد وصف القرآن هذا النموذج من الناس فقال : {  وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّـهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿١١﴾}  سورة الحج.
التضحية في سبيل الله :
في السنة العاشرة للهجرة جرت مراسلات بين مسيلمة الكذاب والنبي  r ، كتب مسيلمة: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشا لا ينصفون والسلام عليكم.
فكتب له النبي - r -:بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين والسلام على من اتبع الهدى".
وكان رسول الله - r - قد أرسل حبيب بن زيد بن عاصم وعبد الله بن وهب الأسلمي إلى مسيلمة الكذاب فقام بقطع يدي حبيب ورجليه، وكان مسييلمة الكذاب يقول له أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَفَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ، فَجَعَلَ يُقَطِّعُهُ عُضْوًا عُضْوًا حَتَّى مَاتَ فِي يَدِهِ، لَا يَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ، إذَا ذُكِرَ لَهُ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَفَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ، فَجَعَلَ يُقَطِّعُهُ عُضْوًا عُضْوًا حَتَّى مَاتَ فِي يَدِهِ، لَا يَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ، إذَا ذُكِرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r آمَنَ بِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِذَا ذُكِرَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ قَالَ: لَا أَسْمَعُ- فَخَرَجَتْ أمه نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ مِنْ مَبْذُولِ ابْن عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ، وَهِيَ أُمُّ عِمَارَةَ إلَى الْيَمَامَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَاشَرَتْ الْحَرْبَ بِنَفْسِهَا. حَتَّى قَتَلَ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ، وَرَجَعَتْ. وَبِهَا اثْنَا عَشَرَ جُرْحًا، مِنْ بَيْنِ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ ([14]).
لذلك فلا عجب أن نجد الانتحار أكثر ما يكون في البيئات التي ضعف التدين في أبنائها أو فقدوه.
أثر الإيمان في حياة المجتمع:
مجتمع بلا إيمان مجتمعُ غابة، لأن الحياة فيه للأقوى لا للأفضل والأعلم، وهو مجتمع تافه، غايات أهله لا تتجاوز شهواتهم ، قال تعالى: {...... يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴿12﴾سورة محمد، ومن هنا جاءت الحاجة الملحَّة للحديث عن الإيمان وآثاره في المجتمع، والتي منها:
الأخلاق: الدين والأخلاق عنصران متلازمان متماسكان، لذلك حدّد الرسول r الغاية من رسالته بقوله فعن أبي هريرة؛ أن رسول الله r قال: " إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق " ([15]). فالأخلاق مرتبطة بالإيمان، وضعفها دليل على ضعف الإيمان،  كما في قوله  r (( وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ قِيلَ وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ))([16]) ،  والبوائق هي الشرور مهما كانت، وغالبا ما تكون أخلاقية. كما أن أدنى شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، وعليه فإن فلاح المؤمن مرتبط بدمج الجانب التعبدي مع الجانب الأخلاقي في الإسلام.
الإنتاج: المؤمن يندفع إلى العمل بإيحاء ينبعث من داخله لا سوطًا يسوقه من الخارج، ذلك الباعث الذاتي هو الإيمان بالله، وبأن مهمته هي عمارة الأرض. فالمؤمن يوقن أن السعادة في الآخرة والنجاح في الدنيا موقوف على العمل، لأن الجنة ليست جزاء لأهل الفراغ والكسالى والبطالين، بل لأهل الجد والعمل والإتقان كما قال تعالى:  وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿72﴾}  الزخرف ، وقال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿17﴾السجدة  .
الإصلاح : إننا في عصر اضطربت فيه الآراء، واختلطت فيه الأهواء؛ ولا شك أن الذي يبعث على الإصلاح هو الإيمان بالله عز وّجل، فنحن نوقن أنه لا صلاح ولا إصلاح لأحوال الخلق أجمعين، إلا من منطلق الإيمان بخالق الخلق والعالِم بما يُصلح شؤونهم كما قال تعالى: { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿14﴾سورة الملك.
ولو تأملنا آيات القرآن؛ لوجدناها تربط بين الإيمان والإصلاح، وتجعل الإيمان مقدمة له، وتجعله سابقًا عليه؛ لأنه لا يمكن أن يكون إصلاح بغير المُنطَلق الإيماني ، قال تعالى: { يا بَني آدَمَ إِمّا
يَأتِيَنَّكُم رُسُلٌ مِنكُم يَقُصّونَ عَلَيكُم آياتي فَمَنِ اتَّقى وَأَصلَحَ فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ  الأعراف.
فلا ينبعث إلى الإصلاح إلا من اتقى الله، وعَمَر قلبه بخشيته وتقواه. 
قيام الدول: فالنبي r قبل ان يهاجر إلى المدينة المنورة ربَّى في المهاجرين الإيمان بالله تعالى والتضحية في سبيله بكل غالي ونفيس ، وأرسل مصعب بن عمير ليدعوا أهل المدينة إلى الإيمان بالله ولولا الإيمان ما قامت الدعوة الى الله في المدينة.
 زيادة الأمن في البلدان وعلى الأموال والأعراض، والطمأنينة والهدوء في الأنفس والقلوب، يقول المولى سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام:82]
قال الإمام ابن القيم –رحمه الله-: "ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه يعرف أن جميع الفساد في جوه ونباته وحيوانه، وأحوال أهله حادث بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه، ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تُحْدثُ لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من الآلام، والأمراض، والأسقام، والطواعين والجدوب، وسلب بركات الأرض، وثمارها، ونباتها، وسلب منافعها، أو نقصانها أمورًا متتابعة يتلو بعضها بعضًا، فإن لم يتسع علمك لهذا فاكتف بقوله -تعالى-: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم] . ([17])
نبذ العصبيات والنعرات الجاهلية: نبذ كل ما يفرق الأمة من قوميات وعصبيات وعنصريات ونَعَرَات جاهلية؛ فالمقياس عند المؤمنين حقاً؛ التقوى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ "" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ اخوة [الحجرات:10] لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، جسد مؤمن واحد، بنيان واحد، أمة واحدة، لا شرق
 ولا غرب.
وعن أبي هريرة t قال قال رسول الله r إن من عباد الله عبادا ليسوا بأنبياء يغبطهم الأنبياء والشهداء قيل من هم لعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا أنساب وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ([18])
سعادة البيوت والأسر: بيت يدخله الإيمان بيت سعيد؛ لا يُخْرج إلا السعداء بإذن رب الأرض والسماء؛ استعاض أهله عن الغناء بترتيل القرآن آناء الليل وأطراف النهار، واستغنوا عن المجلات الماجنة بتقليب المصحف وكتب السُّنة والكتب المفيدة، واستغنوا عن السجائر وما في حكمها من الخبائث بالسواك فطهروا أفواههم وأرضوا ربهم، سعادة وأي سعادة، نساء هذا البيت مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات متحجبات ممتثلات لأمر رب الأرض والسماوات، يخرج الزوج المؤمن من البيت المؤمن فتقول الزوجة: اتق الله فينا ولا تطعمنا إلا حلالاً؛ فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار.
الأمل : الأمل هو انشراح النفس في وقت الضيق والأزمات؛ بحيث ينتظر المرء الفرج واليسر لما أصابه، والأمل يدفع الإنسان إلى إنجاز ما فشل فـيه من قبل، ولا يمل حتى ينجح في تحقيقه قال الله  تعالى : . (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)يوسف
نجاة سفينة الأمة، ووصولها لبر الأمان : نتيجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من الإيمان، بل هو عماد من أعمدة الإيمان.
فالحياة كلها سفينة تمخر عباب البحر، لا تكاد تسكن حتى تضطرب، ولن يكتب الله السلامة لها فوق الموج المضطرب حتى يكون كل شخص منها على حذر مما يفعل، ويقظة لما يريد.
والمجتمع كالسفينة يركب ظهرها البَرُّ والفاجر، والمتيقظ والغافل، وطالب العلم والجاهل، هذا يصلح وذاك يحرق ويفسد، والمؤمن بإيمانه هو الصالح المصلح، يجاهد بأمره ونهيه وإصلاحه، فإن تحطمت السفينة بعد ذلك فشتان بين غريق وغريق؛ غريق في جهنم، وغريق في الجنة شهيد بإذنه ربه.
رابعًا: أثار نقص الإيمان
الغلاء والبلاء: إن ما أحل بالعباد والبلاد من غلاء ووباء سببه ضعف الإيمان واليقين وكثرة المعاصي والذنوب والآثام؛ فالمعاصي والذنوب وارتكاب المحرمات لها أثرها السيئ في حجب النعم والبركات عامة ؛ وقد تضافرت نصوص القرآن والسنة وأقوال سلف الأمة في ذلك؛ فقد كان الحسن البصري -رحمه الله- إذا رأى السحاب قال: في هذه والله رزقكم، ولكنكم تحُرمونه بخطاياكم وذنوبكم. قال تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات:22]، فالرزق المطر، وما توعدون به الجنة، وكلاهما في السماء.
 ويقول أبو هريرة t : إن الحباري – نوع من الطيور – لتموت في وكرها من ظلم
الظالم،  وقال مجاهد رحمه الله : إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السَنَة – أي : القحط – وأمسك المطر، وتقول : هذا بشؤم معصية ابن آدم .
ولذلك كان المسلمون على تعاقب العصور والأزمان ينظرون إلى تأخر المطر وقحط السماء وجدب الأرض على أنه نوع من العقوبة الإلهية بسبب الذنوب والمعاصي والسيئات وضعف الإيمان واليقين بالله فيبادرون إلى التوبة والإنابة إلى الله.
فكما أن الإيمان وتقوى الله مجلبة للرزق؛ فترك التقوى وضعف الإيمان مجلبة للفقر ، فما استجلب رزق الله بمثل ترك المعاصي.
وما أجمل مقولة عبد الله بن عباس: " إن للحسنة ضياءً في الوجه ، ونوراً في القلب ، وسعةً في الرزق ، وقوةً في البدن ، ومحبةً في قلوب الخلق ، وإن للسيئة سواداً في الوجه ، وظلمةً في القبر والقلب ، ووهناً في البدن ، ونقصاً في الرزق ، وبغضةً في قلوب الخلق . وقال بعض السلف : إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق دابتي ، وامرأتي "([19]).
الاضطراب في السلوك هو الظاهرة السائدة لمن ابتعد عن الإيمان، وهو ما تَعِجُّ به أكثرُ المجتمعات الحديثة، فتجعل الإنسان في حيرة من نفسه، غير راضٍ عما هو عليه حتى لو توفرت له جميعُ احتياجات الحياة وملذاتها، فهو بدون عقيدة الإيمان الصحيحة في قلق دائم، قال - تعالى -: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى َقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 124 - 127].
المصائب:  يقول الشيخ محمد حسان :فالذنوب شؤم علينا في الدنيا والآخرة، وشؤم على الشعوب في الدنيا والآخرة، وشؤم على الأمم في الدنيا والآخرة، أقسم لكم بالله على منبر رسول الله لا تقع مصيبة في الأرض -مهما كان حجمها على المستوى الفردي أو الجماعي أو الأممي- إلا بسبب الذنوب والمعاصي ، حتى ما يحدث ويسموه المتخصصون "بغضب الطبيعة"، حاشا وكلا، يقولون لك "غضب الطبيعة"، زلزال هنا وثلوج هنالك وبرد قارص هنا وحرارة شديدة هنالك، ويسمي بعض المتخصصون في الوسائل الإعلامية هذه الظواهر الطبيعية بقولهم "غضب الطبيعة"، حاشا وكلا، بل أُصدق وقل غضب الله جل جلاله، وربي الكعبة لو يؤاخذ الله الخلق على الأرض بذنوبهم ما ترك على ظهر الأرض من دابة قال تعالى: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"الروم:41، وقال تعالى: "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ"الشورى:30، وقال جل وعلا " ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ "الأنعام:146
فلا تتصور أن الطبيعة لها إرادة، الطبيعة لا إرادة لها بل هي مخلوق للخالق جل جلاله لا تتحرك إلا بأمره، لا تسقط حبة مطر بل لا تسقط ورقة في نخلة أو شجرة، بل ولا تتزلزل الأرض هنا بل ولا تخسف الأرض هنالك، ولا يسقط جليد أو ثلج ولا ينزل صقيع بارد ولا تنتشر في الأرض حرارة محرقة، ولا تغلو الأسعار ولا تكثر الفتن والمحن إلى آخر هذه الصور إلا بتقديره جل جلاله بسبب ذنوب الخلق ومعاصيهم.
الضنك والضيق: فما تعيش فيه البشرية الآن من ضنك، وما يحياه الأفراد الآن من هم وحزن ونكد وغم وضيق رزق وأمراض وأوبئةٍ وبلاء إلى غير ذلك، لو سألتم عن كلمة واحدة كسبب رئيس لكل هذه المحن والفتن لأجبتكم بهذه الكلمة إنها الذنوب والمعاصي.
أيها المسلمون: ما الذي طرد إبليس من رحمة الله ولعنه؟، ما الذي أهلك فرعون وقومه؟ ما الذي أهلك قوم ثمود؟ ما الذي أهلك قوم صالح؟ ما الذي أهلك قارون وخسف به الأرض؟ ما هو السبب الرئيسي لما تحياه البشرية الآن من قلق واضطراب وأزمات نفسية واقتصادية مروعة؟ وأظن أن الفضائيات الآن قد حولت العالم كله إلى قرية صغيرة، فما يحدث هنا تراه هنالك، وما يحدث هنالك تراه هنا في التو واللحظة، البشرية الآن تعيش معنى الضنك، قال تعالى: "فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ﴾ (طه)
إنه الضنك، الضنك في الصدور، الضنك في الأموال والأسواق، الضنك في البيوت، الضنك في القلوب، الضنك في المعاملات، كل نعيم بين يدي المبتعد والمعرض عن الله جل وعلا سيتحول إلى شقاء وضنك، وإن رأيته في الظاهر يتقلب في ألوان النعيم، المعصية شؤم على أصحابها من الأفراد والأمم والشعوب، شؤم عليهم في الدنيا والآخرة.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
إعداد: الشيخ احمد أبو عيد
01098095854
%%%%%%%%





([1]) صحيح مسلم
([2]) متفق عليه
([3]) صحيح مسلم
([4]) متفق عليه
([5]) متفق عليه
([6]) صحيح ابن ماجة
([7]) متفق عليه
([8]) صحيح سنن الترمذي
([9]) متفق عليه
[10])) فتح الباري
([11]) صحيح ابن ماجة
([12]) متفق عليه
([13]) صحيح مسلم
([14]) سيرة ابن هشام
([15]) السلسلة الصحيحة
([16]) متفق عليه
([17]) زاد المعاد
([18]) صحيح الترغيب والترهيب
([19]) الداء والدواء لابن القيم

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
الأرشادات الأسلامية في الخطب المنبرية

إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق