الحمد لله الذي شرح صدور المؤمنين للإسلام، وجعلهم إخوة متحابين، ونزع ما في صدورهم من غلٍّ وأحقاد، فامتلأت قلوبهم بالصفاء والنقاء. نحمده سبحانه وتعالى على نعمة الإيمان، ونشكره على ما أولانا من فضله والامتنان.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل سلامة الصدر ميزةً لأهل الجنة، وسبباً لرضوان الله والفوز الكبير.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أطهر الناس قلباً، وأسلمهم صدراً، كان يحب الخير للناس، ويعفو عمن ظلمه، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
العناصر:
أولًا: أهمية سلامة الصدور
ثانيًا: من أسباب التشاحن والتباغض
ثالثًا: وسائل تعين على سلامة الصدر
رابعًا: نماذج على سلامة الصدور
الموضوع
أولًا: أهمية سلامة الصدور
امتنّ الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بأن أوجد له طائفة من المؤمنين متآلفة قلوبهم فقال سبحانه ( هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بينهم إنّه عزيز حكيم )
وعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان» قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد» ([1])
نعمة من النعم التي توهب لأهل الجنة حينما يدخلونها: قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47]
حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المحبة والألفة: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا...» ([2])
من صفات الصحابة: فقال سبحانه :( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ) وهم المهاجرون ثم قال :( والذين تبوّؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون ) وهم الأنصار فيا لها من شهادة حيث يكشف الله عن مكنون صدورهم ويخبر أنهم لا يحملون في قلوبهم غلاً ولا حقداً أو حسداً على إخوانهم المهاجرين لكونهم أفضل منهم فقد جمع المهاجرون بين النصرة والهجرة .
ثم بين الله حال من جاء بعد الصحابة إلى يوم القيامة وما ينبغي أن يكونوا عليه من محبة للصحابة وللمؤمنين بصفة عامة وسلامة للصدر عليهم فقال:( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلّاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ) فما أجمل أن يتمثل المؤمن هذا الدعاء وأن يلهج به صباح مساء.
من صفات المؤمنين: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خبٌّ لئيم) ([3])
قال المناوي: (المؤمن غِرٌّ) أي: يغُرُّه كلُّ أحد، و يغُرُّه كلُّ شيء، ولا يعرف الشَّرَّ، وليس بذي مَكْر ولا فطنة للشَّرِّ، فهو يَنْخَدع لسَلَامة صَدْره، وحسن ظنِّه، وينخَدع لانقياده ولينه (كريم) أي: شريف الأخلاق (والفاجر) أي: الفاسق (خبٌّ لئيم) أي: جريء، فيسعى في الأرض بالفساد، فالمؤمن المحمود: من كان طبعه الغَرَارة، وقلَّة الفِطْنة للشَّرِّ، وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلًا، والفاجر من عادته الخُبث والدَّهاء والتَّوغل في معرفة الشَّرِّ، وليس ذا منه عقلًا) [فيض القدير].
أفضل الناس: عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي النَّاس أفضل؟ قال: كلُّ مَخْموم القلب، صدوق اللِّسان، قالوا: صدوق اللِّسان نعرفه، فما مَخْموم القلب؟ قال: هو النَّقيُّ التَّقيُّ، لا إثم عليه، ولا بَغْي ولا غلٌّ ولا حسد) ([4])
راحة في الدنيا وغنيمة في الآخرة قال ابن حزم وكأنه يطل على واقع كثير من المتحاسدين والمتباغضين، أصحاب القلوب المريضة: «رأيت أكثر الناس -إلا من عصم الله وقليل ما هم- يتعجلون الشقاء والهم والتعب لأنفسهم في الدنيا ويحتقبون عظيم الإثم الموجب للنار في الآخرة بما لا يحظون معه بنفع أصلاً، من نيات خبيثة يضبون عليها من تمنى الغلاء المهلك للناس وللصغار، ومن لا ذنب له، وتمنى أشد البلاء لمن يكرهونه، وقد علموا يقينًا أن تلك النيات الفاسدة لا تعجل لهم شيئًا مما يتمنونه أو يوجب كونه وأنهم لو صفوا نياتهم وحسنوها لتعجلوا الراحة لأنفسهم وتفرغوا بذلك لمصالح أمورهم، ولاقتنوا بذلك عظيم الأجر في المعاد من غير أن يؤخر ذلك شيئًا مما يريدونه أو يمنع كونه، فأي غبن أعظم من هذه الحال التي نبهنا عليها؟ وأي سعد أعظم من الحال التي دعونا إليه».
الفرق بين سلامة الصدر والبله والتغفل: قال ابن القيم -رحمه الله- : أن سلامة القلب تكون من عدم إرادة الشر بعد معرفته، فيسلم قلبه من إرادته وقصده لا من معرفته والعمل به،وهذا بخلاف البله والغفلة فإنها جهل وقلة معرفة، وهذا لا يحمد إذ هو نقص، وإنما يحمد الناس من هو كذلك لسلامتهم منه، والكمال أن يكون عارفًا بتفاصيل الشر سليمًا من إرادته قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لست بخب ولا يخدعني الخب» وكان عمر أعقل من أن يخدع وأورع من أن يخدع.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عما يوغر الصدور ويبعث على الفرقة والشحناء، فقال صلى الله عليه وسلم: « لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»([5])
وكثير من الناس اليوم يتورع عن أكل الحرام أو النظر الحرام ويترك قلبه يرتع في مهاوي الحقد والحسد والغل والضغينة، عن فتح بن شخرف قال: قال لي عبد الله الأنطالي: «يا خراساني، إنما هي أربع لا غير: عينك ولسانك وقلبك وهواك، فانظر عينك لا تنظر بها إلى ما لا يحل، وانظر قلبك لا يكون منه غل ولا حقد على أحد من المسلمين، وانظر هواك لا يهوى شيئًا من الشر فإذا لم يكن فيك هذه الخصال الأربع فاجعل الرماد على رأسك فقد شقيت».
وبعض الناس يظن أن سلامة القلب تكمن في سهولة غشه وخداعه، والضحك عليه وهذا خلاف المقصود.
ثانيًا: من أسباب التشاحن والتباغض
طاعة الشيطان: قال تعالى : { وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53]
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم» ([6])
الغضب: فالغضب مفتاح كل شر وقد أوصى صلى الله عليه وسلم رجلاً بالبعد عن الغضب فقال: «لا تغضب » فرددها مرارًا ([7]) فإن الغضب طريق إلى التهكم بالناس والسخرية منهم وبخس حقوقهم وإيذائهم وغير ذلك مما يولد البغضاء والفرقة.
النميمة: وهي من أسباب الشحناء وطريق إلى القطيعة والتنافر ووسيلة إلى الوشاية بين الناس وإفساد قلوبهم قال -تعالى- ذامًا أهل هذه الخصلة الذميمة: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم: 11]
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة قتات» ([8]) وهو النمام الذي ينقل الكلام بغرض الإفساد والوقيعة بين الناس..
الحسد: وهو تمني زوال النعمة عن صاحبها وفيه تعد وأذى للمسلمين نهى الله عنه ورسوله قال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» ([9]) والحسد يولد الغيبة والنميمة والبهتان على المسلمين والظلم والكبر.
التنافس على الدنيا: خاصة في هذا الزمن حيث كثر هذا الأمر واسودت القلوب، فهذا يحقد على زميله؛ لأنه نال راتبة أعلى، وتلك تغار من أختها لأنها حصلت على ترقية وظيفية، والأمر دون ذلك فكل ذلك إلى زوال.
وما هي إلا جيفة مستحيلة *** عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها *** وإن تجتذبها نازعتك كلابها
حب الشهرة والرياسة: وهي داء عضال ومرض خطير، قال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: «ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغي وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير» وهذا مشاهد في أوساط الموظفين والعاملين.
كثرة المزاح: فإن كثيره يورث الضغينة ويجر إلى القبيح، والمزاح كالملح قليله يكفي وإن كثر أفسد وأهلك، وهناك أسباب أخرى غير هذه.
ثالثًا: وسائل تعين على سلامة الصدر
المسلم مطالب بتزكية نفسه والبعد عن الغل والحقد والحسد، ومما يعين على سلامة الصدر:
الإخلاص: عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلات لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» ([10]).
ومن المعلوم أن من أخلص دينه لله -عز وجل- فلن يحمل في نفسه تجاه إخوانه المسلمين إلا المحبة الصادقة، وعندها سيفرح إذا أصابتهم حسنة، وسيحزن إذا أصابتهم مصيبة، سواء كان ذلك في أمور الدنيا أو الآخرة.
رضا العبد عن ربه وامتلاء قلبه به: إن نجاة العبد يوم القيامة مرتبطة بسلامة قلبه قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام :( ولا تخزني يوم يبعثون * يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم )
قال ابن القيم -رحمه الله- في الرضا: إنه يفتح للعبد باب السلامة فيجعل قلبه نقيًّا من الغش والدغل والغل، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم، كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا، وكلما كان العبد أشد رضا كان قلبه أسلم، فالخبث والدغل والغش: قرين السخط، وسلامة القلب وبره ونصحه: قرين الرضا وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط، وسلامة القلب منه ومن ثمرات الرضا.
قراءة للقرآن وتدبره: فهو دواء لكل داء، والمحرم من لم يتداو بكتاب الله، قال تعالى: }قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ{ [فصلت: 44] وقال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82]، قال ابن القيم -رحمه الله-: والصحيح أن (من) ههنا لبيان الجنس لا للتبعيض، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس: 57]ٍ، فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة.
تذكر الحساب والعقاب: الذي ينال من يؤذي المسلمين من جراء خبث نفسه وسوء طويته من الحقد ولحسد والغيبة والنميمة والاستهزاء وغيرها.
الدعاء: فيدعو العبد ربه دائمًا أن يجعل قلبه سليمًا على إخوانه، وأن يدعو لهم أيضًا: لهذا دأب الصالحين قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
الصدقة: فهي تطهر القلب، وتزكي النفس، ولذلك قال الله -تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103].
وأن أحق المرضى بالمداوة مرضى القلوب، وأحق القلوب بذلك قلبك الذي بين جنبيك.
إفشاء السلام: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» ([11])
قال ابن عبد البر -رحمه الله-: «في هذا دليل على فضل السلام لما فيه من رفع التباغض وتوريث الود».
ترك كثرة السؤال وتتبع أحوال الناس، امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ([12])
محبة الخير للمسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ([13])
حسن الظن بالناس وحمل الكلام على أحسن المحامل وهذا كثيراً ما يوقع الناس في التباغض أن يحمل الإنسان الكلمة التي خرجت من أخيه على محمل سيء ويفسرها تفسيراً خاطئاً لا يكون المقابل بالضرورة يقصده.
قال عمر رضي الله عنه: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً
وجاء أحد الناس إلى الإمام الشافعي يعوده في مرضه فقال له: قوّى الله ضعفك فقال الشافعي رحمه الله: لو قوّى ضعفي لقتلني قال الزائر: والله ما أردت إلا الخير فقال الإمام: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير.
عدم الاستماع للغيبة والنميمة حتى يبقى قلب الإنسان سليمًا: قال صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سلم الصدر» ([14]) والكثير اليوم يلقي بكلمة أو كلمتين توغر الصدر خاصة في مجتمع النساء وفي أوساط البيوت من الزوجات أو غيرهن.
إصلاح القلب ومداومة علاجه قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» ([15])
السعي في إصلاح ذات البين قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 8] قال ابن عباس رضي الله عنه : «هذا تحريم من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم».
وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين» ([16]).
إهداء الهدية فإن لها أثراً في تطييب الخواطر وإذهاب وغر الصدور وقد جاء في الحديث ( تهادوا تحابوا ) ([17])
الرضا عن الله وبما قسمه للعبد فهو من أفضل العلاج قال ابن القيم رحمه الله : وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا وكلما كان العبد أشد رضاً كان قلبه أسلم فالخبث والدغل والغش قرين السخط وسلامة القلب وبره ونصحه قرين الرضا.
تذكر ما لسليم الصدر عند الله من الأجر العظيم: فإن الله وصف أهل الجنة بقوله ( إن المتقين في جناتٍ وعيون*ادخلوها بسلام آمنين * ونزعنا ما في صدورهم من غلٍ إخواناً على سررٍ متقابلين).
رابعًا: نماذج على سلامة الصدور
سلامة صدر النبي صلى الله عليه وسلم ما روتْه عائشة - رضي الله عنها - أنَّها قالت: يا رسول الله، هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ مِن أُحُد؟ فقال: ((لقد لقيتُ مِن قومِك ما لقيتُه، وكان أشدُّ ما لقيتُ منهم يومَ العقبة، إذ عَرَضْتُ نفسي على ابنِ عبد يَالِيل بن عبد كُلَال، فلم يُجبْني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفقْ إلَّا بقرن الثعالب، فرفعتُ رأسي، فإذا أنَا بسحابة قد أظلَّتْني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إنَّ الله - عز وجل - قد سمع قولَ قومِك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بَعَث إليك مَلَكَ الجبال؛ لِتأمُرَه بما شئتَ، إن شئتَ أن أُطبِقَ عليهم الأخشبَين؟ فقال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بل أرجو أن يخرجَ مِن أصلابهم مَن يَعبُد اللهَ وحده، لا يُشرك به شيئًا)).
لقد ربَّى النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - صحابتَه على سلامة الصدور مِن الحِقد والحسَد، فكانوا - رضي الله عنهم - أعلامًا في الصفاء والنقاء، كانت قلوبُهم بيضاء نقيَّة، لا تباغض ولا تحاسد، فلله دَرُّهُم مِن رجال!
نبي الله يوسف عليه السلام: كانت قصته مع إخوته أنموذجًا رائعًا لسلامة الصدر، فبعد أن أَلقوه في الجُب، وفرَّقوا بينه وبين أبيه، ودخوله السجن، إلى غير ذلك مما هو معروف - مكَّن الله له، وجعله على خزائن مصر، فلما تردَّدوا عليه وعرفوه، قالوا: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: 91]، فما كان منه إلا أن قَال: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92]، ما حمل غلًّا! ثم لما جاء أبوه مع إخوته، ﴿ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100].
فلم يقل: أخرجني من الجب؛ لكيلا يُخجلهم، (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ)، ولم يقل: رفع عنكم الجوع والحاجة حفظًا للأدب معهم، (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)، فأضاف ما جرى إلى السبب، ولم يُضفه إلى المباشر (إخوته).
سلامة صدر الصديق رضي الله عنه- ثم تأمل معي موقف الصِّدِّيق - رضي الله عنه - مع مِسطح بن أثاثة، إذ كان الصديق ينفق على مسطح، فلما كانت حادثة الإفك، كان مسطح ممن خاضوا فيها، فأقسَم الصديق ألا ينفق على مسطح، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22].
فما كان من الصديق إلا أن أعاد النفقة على مِسطح.
جعل الله قلوبنا سليمة لا تحمل حقدًا ولا غلاً على المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
%%%%%%%%

تعليقات: (0) إضافة تعليق