الحمد لله المذكور بكل لسان المشكور على كل إحسان خلق الخلق ليعبدوه واظهر لهم آياته ليعرفوه ويسر لهم طريق الوصول إليه ليصلوه فهو ذو الفضل العظيم والخير الواسع العميم
واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
لبثت ثوب الرجا والناس قد رقدوا | ** | وبت إلى مولاي اشكوا ما أجد |
وقلت يا عدتي في كل نائبة ويــــا | ** | من عليه لكشف الضر اعتمـــد |
اشكوا إليك أمورا أنت تعلمها مـا | ** | لي علي حملها صقر ولا جلــد |
وقد مددت يدي إليك بالذل مبتهلا | ** | يا خيـــــر من مــدت إليه يـــد |
فلا تردنهـــــا يا رب خائبة فبحر | ** | جودك يروي كـــــــل من يرد |
واشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، نشهد يا رسول الله أنك قد بلغت إلينا من ربك الرسالة وأديت الأمانة ونصحت للأمة فكشف الله بك الغمة وتركتنا على المحاجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك أو مشرك.
العناصـــــــــر
أولاً: تعريف الرضا ثانياً: فضل الرضا وثمراته
ثالثاً: كيفية تحقيق رضا الله رابعاً: نماذج على الرضا
المــوضــوع
أولاً: تعريف الرضا:
هو تقبُّل ما يقضي به الله ـ عز وجل ـ من غير تردد، ولا معارضة.
وقال الإمام الجنيد رحمه الله: الرضا: هو صحة العلم الواصل إلى القلب، فإذا باشر القلب حقيقة العلم، أدّاهُ إلى الرضا.
وقال ابنُ عطاء الله: هو سُكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد أنه اختار له الأفضل فيرضي به.
الفرق بين الرضا والصبر
الصبر لغة: المنع والحبس، وشرعا: حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك، والصبر والجزع ضدان كما أخبر الله تعالى:﴾ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴾إبراهيم.
الرضا: هو انشراح الصدر وسعته بالقضاء وترك تمني زوال الألم وإن وجد الإحساس بالألم لكن الرضا يخففه بما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية
الرضا فضل مندوب إليه، والصبر واجب على المؤمن حتم.
والصبر حبس النفس وكفها عن السخط مع وجود الألم وتمني زواله، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع ، والرضا يوافق الصبر في حبس النفس وكف الجوارح، ويزيد عليه عدم تمني زوال الألم، ففرح العبد بالثواب وحبه لله عز وجل وانشراح صدره بقضائه يجعله لا يتمنى زوال الألم.
وعن سليمان الخواص قال: مات ابن رجل، فحضره عمر بن عبد العزيز، فكان الرجل حسن العزاء؛ فقال رجل من القوم: هذا والله الرضا؛ فقال عمر بن عبد العزيز: أو الصبر؛ فقال سليمان: الصبر دون الرضا، الرضا: أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضياً بأي ذلك كان، والصبر: أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر
دع الأيام تفعل ما تشـــاء | ** | وطب نفسا إذا حكم القضاء |
ولا تجـــزع لحادثة الليالي | ** | فمـــا لحوادث الدنيا بقاء
|
وكن رجلا على الأهوال جلداً | ** | وشيمتك السماحة والوفــاء |
وليس الرضا هو الاستسلام، لأن الاستسلام هو الانهزام وعدم بذل الجهد لتحقيق الهدف، أما الرضا فهو استفراغك الوسع في تحقيق الهدف، لكن لم توفق إليه، فترضى بما قسم الله لك من غير جزع، أو ضجر، أو سخط، كالذي تزوج ولم يرزق الولد، والذي أصيب بمرض لم يستطع دفعه، والذي ابتلاه الله بالفقر وضيق ذات اليد، فاجتهد في تحصيل الغنى فلم يوفق. هنا يأتي التحلي بصفة الرضا بما كتبه الله وقدره، فتحيل القلب إلى سرور دائم، وتشعر النفس بنعيم مقيم
ثانياً: فضل الرضا وثمراته
من صفات المؤمنين السابقين: قال تعالى:﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾[التوبة: 100]
وعَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ﴿ ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا.﴾ ﴿[1]﴾
من صفات النفوس المطمئنة: قال سبحانه:﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً *فَادْخُلِي فِي عِبَادِي*وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾[الفجر: 28].
مغفرة الذنوب: فعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا؛ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ.﴾ ﴿[2]﴾
الأجر العظيم: وقال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ النساء
الفوز العظيم: فقال تعالى-: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة 72].
رضا الله تعالى: قال تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيبا ﴾ [الفتح: 18].
وعن أبي سعيد قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أهلَ الجنةِ فيقولونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ﴾ ﴿[3]﴾
ثالثاً: كيفية تحقيق رضا الله
الإيمان الجازم بأن الله تعالى هو الرزاق: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات]
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r:﴿ أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ.﴾ ﴿[4]﴾ والرزق يقسمه الله كيف شاء فيغني هذا لحكمة ويفقر غيره لحكمة يعلمها سبحانه
قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32].
هِيَ القناعةُ فالزمْها تَعِـشْ مَلِكاً | ** | لـو لم يَكُنْ منك إلا راحةُ البدنِ |
وانظر لمن مَلَكَ الدنيـا بأجْمَعِهَا | ** | هل راحَ منها بغيرِ القُطْنِ والكَفَنِ
|
والغني غنى النفس فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:﴿ لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ﴾ ﴿[5]﴾
فعل الطاعات : قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ ﴿البقرة: 265﴾
وقال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ ﴿النساء: 114﴾.
الإخلاص في العمل والاعتصام بالله: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا؛ فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا؛ وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ؛ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ؛ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ.﴾ ﴿[6]﴾
الرضا عن الله:
أ-سئل جعفر بن سليمان الضبعي: متى يكون العبد راضياً عن الله تعالى؟ قال: إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة!! وكان الفضيل يقول: إذا استوى عنده المنع والعطاء فقد رضي عن الله تعالى.﴾ ﴿[7]﴾
ب-قيل ليحيى بن مُعاذ رحمه الله: متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ قال: إِذا أَقام نفسه على أَربعة أُصول فيما يعامل به ربِّه، فيقول: إن أعطيتني قَبِلْت، وإِن منعتني رضيت، وإِن تركتني عبدت، وإِن دعوتني أَجبت﴾﴿[8]﴾
ج-عن الأحنف بن قيس قال: شكوت إلى عمي صعصعة بن معاوية وجعاً في بطني، فنهرني ثم قال: يا ابن أخي، إذا نزل بك شيء فلا تشكه إلى أحد، فإنما الناس رجلان، صديق تسوؤه، وعدو تسره، والذي بك لا تشكه إلى مخلوق مثلك لا يقدر على دفع مثله عن نفسه، ولكن إلى من ابتلاك به، وهو قادر على أن يفرج عنك، يا ابن أخي إحدى عيني هاتين ما أبصر بها سهلا ولا جبلاً من أربعين سنة، وما اطلعت على ذلك امرأتي ولا أحد من أهلي. ﴿[9]﴾
د-روي أن سعد بن أبي وقاص قدم إلى مكة وقد كف بصره؛ فجعل الناس يهرعون إليه ليدعو لهم فجعل يدعو لهم؛ وكان مجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني فقلت: يا عم أنت تدعو للناس فيشفون؛ فلو دعوت لنفسك لرد الله عليك بصرك!! فتبسم ثم قال: يا
بني قضاء الله أحب إلىَّ من بصري.﴾ ﴿[10]﴾
ذ-شكا بعضهم إلى بعض أرباب البصائر وأظهر شدة اغتمامه. فقال له: أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال: لا، فقال: أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال: لا، فقال: أيسرك أن أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفاً؟ فقال: لا، فقال: أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال: لا، فقال: أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفاً!﴾ ﴿[11]﴾
دوام الحال من المحال: فكم من غني أصبح فقيرا وكم من قوي أصبح ضعيفا، وكم من عزيز أصبح ذليلا والعكس، فكل شيء بيد الله تعالى فكن راضيا بما قسمه الله واشكره سبحانه على نعمائه يزيدك من فضله فهو على كل شج قدير
وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كثيراً ما يتمثل بهذه الأبيات:
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته | ** | يبقى الإله ويفنى المال والولد |
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه | ** | والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا |
ولا سليمان إذ تجري الرياح له | ** | والإنس والجن فيما بينها ترد |
أين الملوك التي كانت لعزتها | ** | من كل أوب إليها وافد يفد؟ |
حوض هنالك مورود بلا كذب | ** | لا بد من ورده يوماً كما وردوا |
العلم بأن الفقر والغنى ابتلاء وامتحان: فالفقير ممتحن بفقره وحاجته، والغني ممتحن بغناه وثروته، وكل منهما مسؤول وموقوف بين يدي الله عز وجل؛ وكما أن الفقر ابتلاء، فكذلك الغنى ابتلاء وامتحان؛ قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. ﴿الأنبياء: 35﴾
فالله يعطيك ليختبرك ويسلب منك ليختبرك؛ فإذا نجحت في الاختبار كنت مؤمناً حقاً؛ فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:﴿ عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ؛ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ.﴾ ﴿[12]﴾
فإذا أرت أن تعرف عند الله مقامك عند الله فانظر على أي شيء أقامك؟!! فلو أنت مقيم على الرضا فالله راض عنك؛ ولو أنت مقيم على السخط فالله ساخط عليك ، أما من كان على الكفر والفسوق والعصيان – والعياذ بالله-فإن الله لا يرضى عنهم؛ قال تعالى: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ﴾ ﴿الزمر: 7﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ ﴿التوبة: 96﴾.
النظر الى حال الخلق: فلماذا السخط؟ ولماذا التشكي؟ وأنت آمِن في نفسك ومالك وأهلك، معافى في
بدنك، عندك قوتُ يومك، بل قوتُ عامٍ أو يزيد.
يقول الدكتور مصطفى السباعي: زر المحكمة مرة في العام لتعرف فضل الله عليك في حسن الخلق. وزر المستشفى مرة في الشهر لتعرف فضل الله عليك في الصحة والمرض. وزر الحديقة مرة في الأسبوع لتعرف فضل الله عليك في جمال الطبيعة. وزر المكتبة مرة في اليوم لتعرف فضل الله عليك في العقل. وزر ربك كل آن لتعرف فضل الله عليك في نعم الحياة.
فاحمد ربك على العافية؛ والعيشة الكافية؛ والساعة الصافية، فكم في الأرض من وحيد وطريد وشريد وفقيد، وكم من رجل قد غلِب، ومَن ماله سلب، وملكه قد نهب، وكم من مسجون ومغبون ومدين ومفتون ومجنون، وكم من سقيم وعقيم ويتيم، ومن يلازمه الغريم والمرض الأليم؛ واعلم بأنّ للهمِّ مفتاحًا وهو السرور، وللذنب رب غفور.
رغيف خبـز يابـس تأكله في عافيـة | ** | وكوز ماء بارد تشربه من صافيـة |
وغرفة ضيقـة نفسـك فيها راضـية | ** | ومصحف تدرسه مستندًا لساريـة |
خير من السكنى بأبراج القصور العالية | ** | وبعد قصر شاهقٍ تُصلى بنار حامية |
فيا مَن تشكو من توالي الهموم والأحزان، من قلة المال، من الفقر والحاجة… كن راضيا صابرا محتسبا قنوعا، ولتكن لك في رسول الله أسوة حسنة وقدوة طيبة؛ انظر إلى طعامه، وانظر إلى فراشه ولباسه، وانظر إلى مسكنه. لتدرك أنك في نعم كثيرة وخيرات وافرة.
رابعاً: نماذج على الرضا
مهما حدث فهو خير لك فكن راضياً: قرية بها رجل عجوز حكيم، وكان اهل القرية يستشيرونه في امورهم في أحد الأيام، ذهب فلاح إلى العجوز وقال بصوت محموم أيها الحكيم لقد حدث شيء فظيع لقد هلك ثوري وليس لدى حيوان يساعدني على حرث أرضي!، اليس ذلك أسوأ شيء يمكن أن يحدث لي؟
فأجاب الحكيم ﴿ ربما كان ذلك صحيحا , وربما كان غير ذلك ﴾ فأسرع الفلاح عائدا لقريته وأخبر جيرانه أن الحكيم قد جن بالطبع كان ذلك أسوأ شيء يمكن أن يحدث للفلاح فكيف لم يتسن للحكيم أن يرى ذلك إلا أنه في اليوم ذاته , شاهد الناس حصانا قويا بالقرب من مزرعة الرجل ولأن الرجل لم يعد عنده ثور ليعينه في عمله واتت الرجل فكرة اصطياد الحصان ليحل محل الثور ... وهو ما قام به فعلا وقد كانت سعادة الفلاح بالغة , فلم يحرث الأرض بمثل هذا اليسر من قبل وما كان من الفلاح إلا أن عاد للحكيم وقدم اليه أسفه قائلا لقد كنت محق ايها الحكيم إن فقداني للثور لم يكن اسوأ شيء يمكن أن يقع لي , لقد كانت نعمة لم أستطع فهمها , فلو لم يحدث ذلك لما تسنى لي أبدأ أن أصيد حصانا جديدا لا بد أنك توافقين على أن ذلك هو أفضل شيء يمكن أن يحدث لي فأجاب الحكيم ؛ ربما نعم وربما لا 00 فقال الفلاح لنفسه ﴿ لا ﴾ ثانية لابد أن الحكيم فقد صوابه هذه المرة وتارة أخرى , لم يدرك الفلاح ما سيحدث بعد مرور بضعة أيام سقط ابن الفلاح من فوق صهوة الحصان فكسرت ساقه ولم يعد بمقدوره المساعدة في حصاد المحصول ومرة اخرى ذهب الفلاح إلى الحكيم وقال له كيف عرفت أن اصطيادي للحصان لن يكون امرا جيدا ؟ لقد كنت على صواب ثانية، فلقد جرح ابني ولن يتمكن من مساعدتي في الحصاد هذه المرة أنا على يقين بأن هذا هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث لي لا بد أنك توافقين هذه المرة ولكن كما حدث من قبل، نظر الحكيم الى الفلاح وقال ﴿ربما نعم وربما لا﴾ استشاط الفلاح غضبا من جهل الحكيم وعاد من فوره الى القرية وفي اليوم التالي، قدم الجيش واقتاد جميع الرجال القادرين للمشاركة في الحرب التي اندلعت للتو وكان ابن الفلاح الشاب الوحيد الذي لم يصحبوه معهم ومن هنا كتبت له الحياة في حين أصبح حتما على الباقين أن يلقوا حتفهم...
كُن عن همومك مُعرضاً | ** | وكِلِ الأمور إلى القضا |
وانعم بطول سلامة | ** | تُسليك عمّا قد مضا |
فلربما اتسع المضيق | ** | وربما ضاق الفضا |
ولرب أمر مسخط | ** | لك في عواقبه رضا |
الله يفعل ما يشاء | ** | فلا تكن مُتعرضا |
ما أعظم نعمة الرضا: رجلا ابتلاه الله بالعمى وقطع اليدين والرجلين، فدخل عليه أحد الناس فوجده يشكر الله على نعمه، ويقول: الحمد الله الذي عافاني مما ابتلى به غيري، وفضَّلني على كثير ممن خلق تفضيلا، فتعجب الرجل من قول هذا الأعمى مقطوع اليدين والرجلين، وسأله: على أي شيء تحمد الله وتشكره؟ فقال له: يا هذا، أَشْكُرُ الله أن وهبني لسانًا ذاكرًا، وقلبًا خاشعًا وبدنًا على البلاء صابرًا.
قلباً عامراً ولساناً ذاكراً هما أفضل نعمة: تجهز عروة للسفر من المدينة النبوية إلى دمشق واستعان بالله وأخذ أحد أولاده معه ﴿وقد كان أحب أبناؤه السبعة إليه﴾ وتوجه إلى الشام، فأصيب في الطريق بمرض في رجله أخذ يشتد ويشتد حتى أنه دخل دمشق محمولاً لم يعد لديه قدرة على المشي. انزعج الخلفية حينما رأي ضيفه يدخل عليه دمشق بهذه الصورة فجمع له أمهر الأطباء لمعالجته، فاجتمع الأطباء وقرروا أن به الآكلة ﴿ما تسمى في عصرنا هذا الغرغرينا﴾ وليس هناك من علاج إلا بتر رجله من الساق، فلم يعجب الخليفة هذا العلاج، ولسان حاله يقول ﴿كيف يخرج ضيفي من بيت أهله بصحة وعافية ويأتي إلى أبتر رجله وأعيده إلى أهله أعرجاً﴾، ولكن الأطباء أكدوا أنه لا علاج له إلا هذا وإلا سرت إلى ركبته حتى تقتله، فأخبر الخليفةُ عروةَ بقرار الأطباء، فلم يزد على أن قال ﴿اللهم لك الحمد﴾.
اجتمع الأطباء على عروة وقالوا: اشرب المرقد ﴿المخدر او البنج﴾، فلم يفعل وكره أن يفقد عضواً من جسمه دون أن يشعر به. قالوا: فاشرب كأسا من الخمر حتى تفقد شعورك. فأبى مستنكراً ذلك. وقال: كيف أشربها وقد حرمها الله في كتابه. قالوا: فكيف نفعل بك إذاً ؟!قال: دعوني أصلي فإذا أنا قمت للصلاة فشأنكم وما تريدون !! ﴿وقد كان رحمه الله إذا قام يصلي سهي عن كل ما حوله وتعلق قلبه بالله تعالى﴾. فقام يصلي وتركوه حتى سجد فكشفوا عن ساقه وأعملوا مباضعهم في اللحم حتى وصلوا العظم فأخذوا المنشار وأعملوه في العظم حتى بتروا ساقه وفصلوها عن جسده وهو ساجد لم يحرك ساكناً، وكان نزيف الدم غزيراً فأحضروا الزيت المغلي وسكبوه على ساقه ليقف نزيف الدم، فلم يحتمل حرارة الزيت، فأغمي عليه.
في هذه الأثناء أتى الخبر من خارج القصر أن ابن عروة بن الزبير كان يتابع ﴿يتفرج على﴾ خيول الخليفة، وقد رفسه أحد الخيول فقضى عليه وصعدت روحه إلى بارئها !!! فاغتم الخليفة كثيراً من هذه الأحداث المتتابعة على ضيفه، واحتار كيف يوصل له الخبر المؤلم عن انتهاء بتر ساقه، ثم كيف يوصل له خبر موت أحب أبنائه إليه.
ترك الخلفية عروة بن الزبير حتى أفاق، فاقترب إليه وقال: أحسن الله عزاءك في رجلك. فقال عروة: اللهم لك الحمد وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. قال الخليفة: وأحسن الله عزاءك في ابنك. فقال عروة: اللهم لك الحمد وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أعطاني سبعة وأخذ واحداً، وأعطاني أربعة أطراف وأخذ واحداً، إن ابتلى فطالما عافا، وإن أخذ فطالما أعطى، وإني أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة.
ثم قدموا له طستاً فيه ساقه وقدمه المبتورة قال: إن الله يعلم أني ما مشيت بك إلى معصية قط وأنا أعلم. بدأ عروة رحمه الله يعود نفسه على السير متكئا على عصى، فدخل ذات مرة مجلس الخليفة، فوجد في مجلس الخليفة شيخاً طاعناً في السن مهشم الوجه أعمى البصر.
فقال الخليفة: يا عروة سل هذا الشيخ عن قصته؟
قال عروة: ما قصتك يا شيخ؟ قال الشيخ: يا عروة اعلم أني بت ذات ليلة في وادٍ، وليس في ذلك الوادي أغنى مني ولا أكثر مني مالاً وحلالاً وعيالاً، فأتانا السيل بالليل فأخذ عيالي ومالي وحلالي، وطلعت الشمس وأنا لا أملك إلا طفل صغير وبعير واحد، فهرب البعير فأردت اللحاق به، فلم أبتعد كثيراً حتى سمعت خلفي صراخ الطفل فالتفتُ فإذا برأس الطفل في فم الذئب فانطلقت لإنقاذه فلم أقدر على ذلك فقد مزقه الذئب بأنيابه، فعدت لألحق بالبعير فضربني بخفه على وجهي، فهشم وجهي وأعمى بصري!
قال عروة: وما تقول يا شيخ بعد هذا؟ فقال الشيخ: أقول اللهم لك الحمد ترك لي قلباً عامراً ولساناً ذاكراً.
فيجب على كل مسلم: أن يرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد r رسولاً، وبكل ما قسمه الله له من غنى أوفق، قوة او ضعفا، صحة أو سقما، سعة أو ضيقا، اعطاه الله أولاداً أو لم يعطه
فلله الحمد على كل حال، فلله الحمد على كل حال، فلله الحمد على كل حال
والحمد لله رب العالمين
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
%%%%%%%%

تعليقات: (0) إضافة تعليق