القائمة الرئيسية

الصفحات

أثر الإيمان في غزوة بدر د/ أحمد محمد أبو عيد

  






pdf


word


 

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

العناصر:

أولًا: أثر الإيمان في غزوة بدر                                    ثانيا: رسائل من غزوة بدر للأمة

أما بعد:

عباد الله، إن من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام، ومن أعظم المعارك التي تجلّى فيها أثر الإيمان الصادق: غزوة بدر الكبرى، تلك الغزوة التي لم تكن مجرد معركة بالسيوف والرماح، بل كانت معركة عقيدة وإيمان وثقة بالله.

وقد سمّى الله هذا اليوم يوم الفرقان لأنه فرّق بين الحق والباطل.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123)

أي: كنتم قلة في العدد والعدة، ولكن كان معكم الإيمان بالله، فكان النصر من عند الله.

أيها المسلمون: كانت بدر مدرسة عظيمة تُعلِّم الأمة أن الإيمان هو أعظم قوة يملكها المؤمن.

فلنقف مع بعض صور أثر الإيمان في هذه الغزوة العظيمة.

أولًا: أثر الإيمان في غزوة بدر   

الثقة بوعد اللهخرج النبي ﷺ وأصحابه وليس معهم من القوة إلا القليل.

كان عدد المسلمين 313 رجلاً فقط، بينما كان عدد المشركين ألف مقاتل.

وكان معهم: فرسان فقط، وسبعون بعيرًا يتعاقبون عليها.

أما المشركون فجاؤوا بالعدة الكاملة والسلاح والخيول.

ومع ذلك قال الله: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 249)

وكان الصحابة يؤمنون بهذا الوعد، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:

"كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير"، وكان النبي ﷺ نفسه يتعاقب مع علي وأبي لبابة، فلما قال الصحابة: يا رسول الله نكفيك المشي، قال ﷺ: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما"

هذا هو الإيمان العملي.

الطاعة الكاملة للنبي ﷺمن أعظم مظاهر الإيمان يوم بدر طاعة الصحابة للنبي ﷺ طاعة مطلقة.

لما استشار النبي ﷺ الصحابة في القتال، قام المقداد بن عمرو رضي الله عنه فقال كلمات خالدة: قال: "يا رسول الله، امضِ لما أراك الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون."

فقال النبي ﷺ خيرًا ودعا له.

ثم قام سعد بن معاذ ممثل الأنصار فقال: "يا رسول الله، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحد."

أي إيمان هذا؟! إنه إيمان يجعل الرجل يقدم روحه في سبيل الله دون تردد.

الدعاء والافتقار إلى اللهمن أعظم مشاهد بدر: دعاء النبي ﷺ ليلة المعركة.

روى مسلم أن النبي ﷺ ظل يدعو ربه طوال الليل، وكان يقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض." ورفع يديه حتى سقط رداؤه عن كتفيه.

فجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأخذ الرداء ووضعه عليه وقال: "حسبك يا رسول الله، فوالله لينجزن الله لك ما وعدك."

إيمان يجعل القائد الأعظم يقف طوال الليل يبكي بين يدي الله.

نزول الملائكة للنصرلما صدق المسلمون مع الله نزلت الملائكة لنصرتهم.

قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال: 9) ، وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾

وكان الصحابة يرون آثار الملائكة.

قال ابن عباس رضي الله عنه: كان الرجل من المسلمين يضرب المشرك فيسمع صوت ضربة قبل أن يصل إليه السيف.

وقيل إن الصحابة كانوا يسمعون في المعركة صوتًا يقول: "أقدِم حيزوم!" ، وهو صوت أحد الملائكة.

الشجاعة والتضحيةكان الصحابة يقاتلون بروح مؤمنة.

ومن أعجب قصص بدر قصة الصحابي عمير بن الحمام الأنصاري، لما قال النبي ﷺ: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض." ، قال عمير: "بخٍ بخٍ!" ، فقال النبي ﷺ: "ما يحملك على قولك بخ بخ؟" قال: "رجاء أن أكون من أهلها." ، قال: "فإنك من أهلها."

فأخرج تمرات من كنانته وقال: "لئن أنا حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة!"

ثم رماها وقاتل حتى قُتل شهيدًا.

النصر رغم قلة العددقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ، فالنصر الحقيقي لم يكن بالسيوف فقط، بل بالإيمان الصادق.

لذلك قال النبي ﷺ عن أهل بدر: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم." (رواه البخاري ومسلم) ، لأنهم قدموا أعظم مثال للإيمان والتضحية.

ثانيا: رسائل من غزوة بدر للأمة

أيها المسلمون، إن غزوة بدر ليست قصة تاريخية، بل رسالة للأمة في كل زمان.

ومن أعظم دروسها:

1- النصر مرتبط بالإيمان، قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾

2- القلة لا تمنع النصرقال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)، فكم من أمة قليلة انتصرت بالإيمان.

3- الدعاء سلاح المؤمنالنبي ﷺ انتصر بالدعاء قبل السيف.

4- الطاعة سبب التمكينالصحابة انتصروا لأنهم أطاعوا النبي ﷺ.

 

عباد الله، إن الأمة اليوم لا ينقصها العدد ولا الإمكانيات، ولكن ينقصها الإيمان الصادق الذي كان عند أصحاب بدر.

لو عاد للأمة: صدق التوكل وقوة الإيمان والإخلاص لله لعاد لها النصر والتمكين.

قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾

أيها المسلمون:

اسألوا أنفسكم سؤالًا صادقًا: ما الذي جعل ثلاثمائة رجلٍ ينتصرون على ألف؟

لم تكن كثرة السلاح، ولا قوة العتاد، ولا وفرة المال، ولكنه الإيمان.

هؤلاء رجال صدقوا الله فصدقهم الله، قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾

أما نحن…

فهل صدقنا الله كما صدقوه؟

هل نحن مستعدون للتضحية كما ضحوا؟

هل قلوبنا متعلقة بالله كما كانت قلوبهم؟

عباد الله…

لقد انتهت معركة بدر منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، لكن سؤال بدر ما زال قائمًا إلى يوم القيامة: هل نحن من أهل الإيمان الذين ينصرهم الله؟

تخيلوا معي هذا المشهد…

الصحابة خرجوا من المدينة، بعضهم لم يكن يملك إلا سيفًا واحدًا، وبعضهم يتعاقب مع اثنين على بعير، ومع ذلك رجعوا بعد ساعات قليلة وهم سادة الأرض…

رجعوا وقد قُتل رؤوس الكفر: أبو جهل… وعتبة… وشيبة… وأمية…

ورجعوا وقد كتب الله لهم أعظم شرف في التاريخ، حتى قال النبي ﷺ: "لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم."

 يا الله…

أي مقام هذا؟ وأي منزلة هذه؟ إنها منزلة الإيمان الصادق.

عباد الله: سيأتي يوم نقف فيه جميعًا بين يدي الله، يوم لا مال ينفع، ولا منصب ينفع…

ولا شهرة تنفع، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾

فيا من ضيعت الصلاة، ويا من قصرت في الطاعة، ويا من أرهقته الذنوب والمعاصي، الباب ما زال مفتوحًا.

ارجع إلى الله، فالله الذي نصر الصحابة قادر أن ينصرنا، لكن بشرط واحد، أن نصدق مع الله كما صدقوا.

يا عباد الله: ربما بيننا الآن من لا يدري، لعل هذه آخر خطبة يسمعها في حياته، ولعل هذه آخر جمعة يحضرها، ولعل هذا آخر رمضان يشهده، ولعل ملك الموت الآن أقرب إلينا مما نظن، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾

فيا من يسمعني الآن…

تب إلى الله قبل أن يأتي يوم لا تستطيع فيه التوبة…

وابكِ على ذنبك قبل يوم تبكي فيه العيون دمًا…

واعمل للقاء الله قبل أن يقول الإنسان:

﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾

فلا يُجاب.

اللهم كما نصرت أهل بدر بإيمانهم، فانصرنا بإيماننا.

اللهم ارزقنا صدق الإيمان، وقوة اليقين، وحسن التوكل عليك.

اللهم أصلح قلوبنا، وطهر نياتنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها.

اللهم اجمعنا بنبيك ﷺ في الفردوس الأعلى، واجعلنا من أهل الجنة بغير حساب ولا عذاب.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 جمع وترتيب: د/ أحمد محمد أبو عيد

 

 

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
الأرشادات الأسلامية في الخطب المنبرية

إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق